منتدي تجمع قري قوزالرهيد والسديره ودالجمل والكفتة والعمارة وكريمت المغاربة
مرحباً بك عضواً فاعلاً وفكراً نيراً وقلماً وثاباً في منتدي تجمع قري قوزالرهيد والسديرة والكفته والعمارة وكريمت المغاربة

في رحاب القرآن

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

في رحاب القرآن

مُساهمة  جمال خالد يوسف في الخميس أكتوبر 11, 2012 9:47 am

﴿ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ * وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآَيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ [الأنعام: 34- 35]. صدق الله العظيم

يكادُ يكون محتوى هاتَين الآيتيْن واضحًا من القِراءة الأولى:
فالآية الأولى تتحدَّث عن النَّتيجة الحتميَّة للجولة التي يَخوضُها الرُّسل مع البشر، وهدفها تخليص هؤلاء من براثن الشِّرْك، وتبصِرتهم بأنَّ مصدر القوَّة كلها - على مختلف صُوَرِها ودرجاتِها - واحد، ومع أنَّ هذه النتيجة تَهدي إليْها الفطرة السليمة؛ إلاَّ أنَّ رحلة الإنسان إليْها رحلةٌ شاقَّة مَحفوفة بالضَّلال، الَّذي يعمي بصيرته عن الرؤْية النَّافذة لهذه الحقيقة.

فيغْشى بصرَه ما يغشاه من اعتزازٍ وكِبْر بقدرتِه العقليَّة، وظنّه أنَّها تستطيع أن تجعله مستقِلاًّ عن الكون الَّذي هو جزءٌ منه، ويظن أنَّ المكتشفات العلميَّة التي من المفروض أن تؤدِّي به إلى التَّسليم بعظمة الخالق، ستؤدِّي به إلى عكس ذلك، فيكون هو المتحكِّم في الكون، والمسيْطِر على نواميسِه، وصدق الله العظيم في وصْف هذه النَّظرة المتعالية عندما قال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ * لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [غافر: 56- 57].

ويغْشى قلبَه ما يغشاه من عجزٍ في تصوُّر القدرة الإلهيَّة الواحدة، وتعجز نفسُه عن التخلُّص من كل الأدْران، ويظل مشدودًا إلى قوى أدْنى منها، يتَّخذها للقوَّة العليا زلفى أو ندًّا، إلى غير ذلك من وسائل الشِّرْك، الَّتي ما أُرسل الرسل كلُّهم إلاَّ لتخْليص البشر من إسارِها، على اعتِبار أنَّ الشرك استعباد وحدٌّ من حريَّة الإنسان لحسابِ قوى لا تملك له نفعًا ولا ضرًّا، وأنَّ الإنسان الَّذي يسكُن التَّوحيد قلبَه ينظُر إلى كلِّ ما هو كائن في الحياة، على أنَّه مجرَّد علاقات لا تملك أيَّة واحدة منها قدرة عليْه، ويعالجها ويعاملها بالأُسْلوب المناسب لها: حلاًّ واستِفادة من التيقُّن الكامل أنَّ القوَّة لله جميعًا.

هذه النتيجة التي لا بدَّ أن يهتدي إليْها الإنسان بفطرتِه المجرَّدة، إن خلصت نظرته، هي التي عناها الله - تعالى - بأنَّها مضمونة النَّتيجة: ﴿ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ﴾ [المجادلة: 21]؛ أي: إنَّ رسالة التَّوحيد لا بدَّ منتصِرة، مهْما بعدت الشقَّة، ومهْما كثُرت التَّضْحِيات.

والَّذي نبغيه من الحديث عن الآيتَين الكريمتَين: هو أن نستمِرَّ فيما قصدْنا إليْه من إشعار كلِّ مسلم - إزاءَ الغزْو العَقَدي، وكثْرة ما يُقال عن وجوب استِقْلال المنهاج العِلْمي عن الدِّين - أنَّ هاتين الآيتَين الكريمتَين فيهما مثلٌ واضِح لكذِب هذا القول، وأنَّ الدِّين الإسلامي قائمٌ في جوهره على عدم انفِصام التَّفكير العلمي عن العقيدة؛ بل إنَّ هذا النَّوع من التَّفكير هو من مكوِّنات العقيدة الصَّحيحة.

وآية ذلك: أنَّ هاتين الآيتَين الكريمتَين تتكلَّمان عن كلِمات الله؛ أي: سُنَنه ونواميسه الكونيَّة، ومن بينها: أنَّ دعوات الرُّسُل الإصلاحيَّة تقتضي منهم التصدِّي لعناد النَّاس وتكْذيبهم وإيذائهم، شأنهم دائمًا شأْن كلِّ مَن يتصدَّى للإصْلاح، وأنَّ الصَّبر في مثل هذه المواقِف أمر لازم، وأمَّا ضيق الصَّدر والتعلُّق بعمل حاسم من الله، فإنَّه وإن كان ذلك في مقْدوره تعالى، إلاَّ أنَّه خارج عن نطاق السُّنَن الكونيَّة، وأنَّ التَّعلُّق بأنَّ الله قد يغيِّر هذه السُّنَن لأمر يعرض هو الجهْل وعدم الفهم.

والمهمَّة الصَّحيحة أن يؤمنوا أنَّ الحياة البشريَّة يَجب أن ينظر لها ككُل، لا كحلول فرديَّة، وأنَّ دَوْرَهم في هذه الحياة غيرُ مشروط بانتصار الحقِّ على أيديهم؛ بل قد يكون هذا الدَّور مجرَّد مساهمة، معها الآلاف بل ملايين من المساهَمات الخفيَّة أو غير الخفيَّة عن أعين الأفْراد، في تكْوين التيَّار الَّذي ينتهي إلى الهدَف العام، وهو التَّسْخير الكامل لما سخَّره الله لنا في هذا الكوْن، في ظلِّ اعتقادٍ راسخ في أنَّه لا إله إلا هو، والإيمان الكامِل بالله وملائكته وكتُبه ورسله.

ويوضِّح ذلك أنَّ الآيتين تقرِّران أنَّ رسالة الأنبِياء وإن كانوا مكلَّفين بها من الله - تعالى - إلاَّ أنَّها تخضع للنواميس الكونيَّة، وأنَّ الرَّسول لا يجوز له أن يتَّكل على ما يعتَقِدُه في قُدْرة الله على جَميع النَّاس على الإيمان، وإلاَّ لم تكن هناك حاجة إذًا لرسالتِه؛ بل إنَّ إرسال الرُّسل مبشِّرين ومنذِرين هو في حدِّ ذاتِه إفهامٌ لنا بأنَّ كلَّ شيء، حتَّى رسالاته - تعالى - تَخضع في انتِصارها لنفس النَّواميس والسُّنَن الموضوعة للعالم.

كيف يقال بعد ذلك: إن للعلم مجالاً وللدِّين مجالاً؟!

أيُّها المسلِم، إنَّ عقيدتَك لا تسمح لك فقط بالانطِلاق الفِكْري؛ بل تصِف تعلُّقك بغير التَّفكير المحلَّل والدَّارس لنَواميس الكوْن بأنَّه من عمل الجاهِلِين غير الفاهمين.

وحيثُ يطمئنُّ الإنسان إلى عقيدتِه، تزول البلْبلة، وتحلُّ السَّكينة محلَّ الارتِياب.


avatar
جمال خالد يوسف
عضو ذهبي

عدد المساهمات : 257
تاريخ التسجيل : 17/06/2012

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى