منتدي تجمع قري قوزالرهيد والسديره ودالجمل والكفتة والعمارة وكريمت المغاربة
مرحباً بك عضواً فاعلاً وفكراً نيراً وقلماً وثاباً في منتدي تجمع قري قوزالرهيد والسديرة والكفته والعمارة وكريمت المغاربة

السعادة الحقيقية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

السعادة الحقيقية

مُساهمة  جمال خالد يوسف في الأربعاء أكتوبر 17, 2012 8:35 am

إنَّ الحمد لله، نَحْمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذُ بالله من شرور أنفُسِنا، وسيِّئات أعمالنا، مَن يهد الله فهو المهتَدِ، ومن يُضلِل فلا هادي له، وصلَّى الله على سيدنا محمَّد، وعلى آله وصحبه، ومَن تبعه بإحسانٍ إلى يوم الدِّين.

أمَّا بعد:
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ [فاطر: 32 - 34].

اعلم - رحمك الله - أيُّها الأخ الكريم/ الأخت الكريمة، أنَّ الناس على ثلاثِ مراتِبَ في السَّعادة والفلاح في الدُّنيا والآخرة كما هو واضح في هذه الآية الكريمة:-
أُولاها: المُقرَّبون والسَّابقون بالخيرات، وهم الذين أتَوْا بالواجبات، وترَكوا المُحرَّمات،وأتَوْا بالتطوُّعات.

ثانيها: المُقتَصِدون، وهم الَّذين أتَوْا بالواجبات، وترَكوا المُحرَّمات، ولَم يأتوا بالتطوُّعات.

ثالثُها: مَن خلَطَ عمَلاً صالِحًا، وآخَر سيِّئًا، مع الاعتراف بالتَّوبةكما قال تعالى: ﴿ وَآَخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآَخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ.... ﴾ وعسى عند الله التحقيق كما قرره علماء الإسلام قاطبة.

أمَّا مَن لَم يكن كذلك، فليس بسعيدٍ في الدُّنيا ولا في الآخِرة؛ فالظَّاهر في الآية التي في سورة فاطر إن كان صاحب الكبيرة لَم يَتُب مِن الكبائر ومات على ذلك فهو تحت المشيئة، بل ولا يَدخل مَن كان حالُه كذلك في الآية, ويؤيد ذلك ما جاء في حديث عبادة بن صامت في صحيح البخاري في بيعة العقبة في كتاب الإيمان - والتي كانوا يسمونها بيعة النساء رضي الله عن الصحابة- " فمن أصاب شيئاً من ذلك فعوقب به في الدنيا فهو كفارته ومن أصاب من ذلك شيئاً ثم ستره الله فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه فبايعناه على ذلك." [1].

وأمَّا الحزَن الذي كانوا يَجِدونه في الدُّنيا، فَما كان إلاَّ أن يَدخلوا الجنَّة، ويكونوا من أهلها؛ ولذلك لا يَنْبغي أبدًا لمؤمنٍ أن يَحْزن لِدُنيا فاتَتْه، وإلاَّ فإنَّه قد يُفوِّت على نفسه - بعدم صبره هذا - ما هو أعظم، ألاَ وهي الجنَّة، مع كونه مستبدِلاً الَّذي هو أدنى بالَّذي هو خير، بل ربَّما عَمِي بالدُّنيا، ولَم يَذْكر الجنَّة أصلاً، ونَسِيَها؛ فعند ذلك يُخشَى عليه أن يكون من الَّذين قال الله في شأنهم: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ﴾ [طه: 124 - 126].

ولقد كانَتْ أمُّنا عائشة - رضي الله عنها - الصدِّيقة ابنةُ الصدِّيق، تكرِّر إلى الصَّباح قوله تعالى: ﴿ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ﴾ [الطور: 26 - 28]، وعن مسروق عن عائشة أنها قرأت هذه الآية: ﴿ فمنَّ اللّه علينا ووقانا عذاب السموم إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم ﴾، فقالت: اللهم منّ علينا، وقنا عذاب السموم، إنك أنت البر الرحيم: قيل للأعمش: في الصلاة؟ قال: نعم ""أخرجه ابن أبي حاتم"". وأورده أبن كثير في تفسير رحمهما الله.

وقد قال تعالى: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ [هود: 106 - 108].

أما السعادة التي ستَجِدها في الالتزام بدينك، فمِنْها مثلاً: أن يكون لك عِلمٌ يُنير لك الطَّريق، وتطبِّقه في حياتك اليوميَّة، وتنفع به الناس الآخرين؛ وذلك لئلاَّ تَبْقى جاهلاً لا تعرف ما تأخذ مِمَّا تذَر، كما ينبغي عليك أن تعرف كيف تُحافظ على هذا العلم الذي منَّ الله عليك به؛ لِتَنجو في الدُّنيا والآخرة.

وأيضًا عليك الحرص على طلَبِ مَن يُعينك عليه بِجِد.

أمَّا السعادات الدُّنيوية، فمِنها: أن تَعْرف كيف تكتسب مالاً تَستغني به عن الناس، وأن تعرف كيف تَقْتصد بذلك المال، وتُحافظ عليه.

ومن السعادة في الدنيا: أن تُحسن اختِيار شريكِ حياتِك، سواء كان ذلك رئيسًا أو ما دونه، أو زوجة؛ لأنَّ كلَّ أولئك يُحيطون بك، ويُؤثِّرون في حياتك، وخُروجك ومدخلك.

ومن السَّعادة في الدُّنيا: ألاَّ تُؤذي، ولا تَظْلم، وأن تَصْبر إذا ظُلِمت، وألاَّ تتعدَّى إذا اقتصصت أو انتصَرْت؛ لئلاَّ يُؤدِّي ذلك إلى عداواتٍ لا تَنتهي.

ومن السَّعادة أن تكون مُجتنِبًا للمعاصي والذُّنوب كلها؛ لتفوز بأعلى المقامات في الآخِرَة.

ومن السعادة مُجاهَدة النَّفس، والتغلب عليها والاستعانة بذلك بربك بل والالتجاء إليه والاعتصام والتضرع بالدعاء فإنك لا حول لك ولا قوة إلا به قال تعالى: ﴿ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ * فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [يوسف: 33-34].

ومن السعادة القناعةُ وعدم الحرص على أشياء الدُّنيا، والبعد عنها؛ حِرصًا يُسبِّب جشَعًا، أو شُحّاً تكون عواقِبُه وخيمة, والعياذ بالله.

وعليك التنَزُّه عن المَسْألة، والاستعفاف عنها، مع الاحتِفاظ بماء الوجه والمروءة, وقد نبَّه على ذلك الشيخ ابن باز رحمه الله لما كثر عنده طلاب ثمن الأضحية مع أن الله شرع لمن لم يجد ذلك الصيام, وقد مدح الله سبحانه في كتابه العزيز الفقراء الذين أحصروا في سبيل الله بالاستعفاف وعدم الإلحاح في المسألة فكيف بمن لم يكن حاله كذلك؟! وكان يقول الشيخ الشنقيطي رحمه الله: تزودت من بلادي بكنز لا يفنى. أو كلمة نحوها, يقصد بذلك القناعة.

ومن السعادة العملُ بإخلاص؛ لأنَّ ربَّك يعلم السِّر وأخفَى، وهو الذي سيُحاسبك على الكبير والصغير، قال تعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 49]، وقال تعالى: ﴿ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ ﴾ [القمر: 53].

وفي صحيح البخاري, كتاب الرقاق, 6127 حدثنا أبو الوليد حدثنا مهدي عن غيلان عن أنس رضي الله عنه قال إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر إن كنا لنعدها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم من الموبقات قال أبو عبد الله يعني بذلك المهلكات.

ووقع في حديث سهل بن سعد رفعه إياكم ومحقرات الذنوب فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن واد فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود حتى جمعوا ما أنضجوا به خبزهم وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه أخرجه أحمد بسند حسن ونحوه عند أحمد والطبراني من حديث ابن مسعود، وعند النسائي وابن ماجه عن عائشة " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لها يا عائشة إياك ومحقرات الذنوب فإن لها من الله طالبا وصححه ابن حبان.

وقال ابن بطال: المحقرات إذا كثرت صارت كبارا مع الإصرار وقد أخرج أسد بن موسى في الزهد عن أبي أيوب الأنصاري قال إن الرجل ليعمل الحسنة فيثق بها وينسى المحقرات فيلقى الله وقد أحاطت به وإن الرجل ليعمل السيئة فلا يزال منها مشفقا حتى يلقى الله آمنا. ا.ه. وهو في فتح الباري في شرح حديث غيلان عن أنس السابق.

ومِن السَّعادة نَفْعُ النَّاس، وكَشْف كُروبِهم؛ لِيُعيننا الله بذلك فيما سوف نَلْقى في أهوال يوم القيامة - أعاننا الله عليه- فعن أبي هريرة رضي الله عنه عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر، يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مؤمنا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما، سهل الله له به طريقا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطّأ به عمله، لم يسرع به نسبه ) رواه مسلم. وهو في الأربعين النووية.

ومن السعادة رحمتُك للنَّاس، والعطف عليهم والإحسان إليهم وأن يكون لك قلبٌ رحيم رقيقٌ مُخبِت؛ لِتَجد أثر ذلك في حياتك الدنيويَّة والأخروية.

كما في "صحيح البخاري" "كتاب التوحيد" رقم الحديث: 6921(حديث مرفوع) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ، قَالَ: " كَانَ ابْنٌ لِبَعْضِ بَنَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْضِي، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَهَا، فَأَرْسَلَ إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى وَكُلٌّ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ، فَأَقْسَمَتْ عَلَيْهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقُمْتُ مَعَهُ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، فَلَمَّا دَخَلْنَا نَاوَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّبِيَّ وَنَفْسُهُ تَقَلْقَلُ فِي صَدْرِهِ حَسِبْتُهُ، قَالَ: كَأَنَّهَا شَنَّةٌ، فَبَكَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: أَتَبْكِي؟، فَقَالَ: إِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ ".
سقت بموقها.
5998 - وَحَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِى جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِىِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ قَدْ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ إِذْ رَأَتْهُ بَغِىٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِى إِسْرَائِيلَ فَنَزَعَتْ مُوقَهَا فَاسْتَقَتْ لَهُ بِهِ فَسَقَتْهُ إِيَّاهُ فَغُفِرَ لَهَا بِهِ »
رواه الإمام مسلم في باب فضل ساقي البهائم ورواه البخاري.

2244 - حدثنا قتيبة بن سعيد عن مالك بن أنس فيما قرئ عليه عن سمي مولى أبي بكر عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئرا فنزل فيها فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال الرجل لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني فنزل البئر فملأ خفه ماء ثم أمسكه بفيه حتى رقي فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له قالوا يا رسول الله وإن لنا في هذه البهائم لأجرا فقال في كل كبد رطبة أجر.
رواه مسلم في كتاب السلام ورواه البخاري.. والأحاديث في الرحمة كثيرة جدا.

ومن السعادة أن يَقِيَك الله من الفِتَن وينجيك من الفِتَن كلها ما ظهر منها وما بطَن، وفي الحديث المتفق عليه:
• قال عمر (أيكم يحفظ ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتنة فقال حذيفة أنا قال حذيفة فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصوم والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال عمر لست عن هذا أسألك ولكن عن الفتنة التي تموج كموج البحر قال يا أمير المؤمنين إن بينك وبينها بابا مغلقا قال عمر أيفتح أم يكسر قال بل يكسر قال إذن لا يغلق إلى يوم القيامة).
قال أبو وائل في حديث حماد فقلت لمسروق سل حذيفة عن الباب فسأله فقال عمر.

وفي الحديث عَنْ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ رضي الله عنه قَالَ: أيْمُ اللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ، إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنِ، إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنُ، وَلَمَنْ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ فواها))1. ويقول الله جل وعلا: ﴿ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ﴾[البقرة: 191]. رواه أبو داوود (3719)، وصححه الألباني، انظر: صحيح الترغيب والترهيب رقم (2743).

وأيضًا من السعادة أن تَفْقه ما هي الفتنة؛ لئلاَّ تقع في حيرةٍ من أمرك، وتَهْلِك في أودية الضَّلال والبِدَع والأهواء.

ومن السَّعادة أن تَعرف الحقَّ من الباطل والباطل من الحق؛ ليطمئِنَّ قلبُك أنَّك على الحقِّ؛ وذلك لا يُنال إلاَّ بالعلم الصحيح المستمَدِّ من الكتاب والسُّنة على فهم السَّلَف الصالح.

ومن السعادة أن تكون من المتمسِّكين بالحق، ومن أهله المُناصرين له، العاملين به، والداعين إليه، المُجانبين للباطل.

ومن السعادة أن تَعيش مَصُون العِرض والشَّرَف، مُتحلِّيًا بأحسن الأخلاق، ومتخلِّيًا عن الرَّذائل.

ومن السعادة أن تكون قدوةً للنَّاس في الخير، وأن تكون إمامًا لهم في الحسنات، والبعد عن السيِّئات؛ قال تعالى: ﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾ [الفرقان: 74]. ولا ينال الإمامة إلا بالصبر واليقين كما قال تعالى في آية السجدة ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾ [السجدة: 24].

ومن السَّعادة أن تكون أقوالُك وأفعالك غيرَ مختلفةٍ كالمنافقين، كما يجب أن يكون ظاهِرُك وباطنك متَّفِقين.

ومن السَّعادة بِرُّك للوالِدَين؛ ليبَرَّك أبناؤك غدًا، ولِيُسعدوك كما أسعدتَ والِدَيك، أمَّا إذا كنت أبكيتَهما بعقوقك يومًا، فسيُبكيك أبناؤك غدًا لا مَحالة، والعياذ بالله.

ومن السَّعادة أن تبتعد عن المعاصي كلها فتجتنب عن الكبائر ولا تفعلها، وتترك الصَّغائر كذلك حسب استطاعتك كما أسلفنا.

ومن السَّعادة أن تكون من أهل الله وخاصَّتِه، الحافظين لكتابه، المتعاهدين له بالدراسة المتكرِّرة، القائمين به في صلاة اللَّيل، وفي الحديث الذي في السُّنن: ((فأوتِرُوا يا أهل القرآن)).
أَخْبَرَنَا جَدِّي أَبُو الْحُسَيْنِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، ثنا قُتَيْبَةُ، ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ، فَأَوْتِرُوا يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ ". رواهرواة السنن الأربعة والإمام أحمد رحمة الله عليهم.

وورد في مقابل ذلك النَّهي عن ذلك؛ أي: النوم عن القيام بالقرآن لِمَن حَفِظَه، ووَردَ في ذلك عقابٌ كما في الرُّؤيا التي أراها الله النبِيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم.

ومن السعادة أن يُثنِي عليك النَّاسُ بالخير لا بالشَّر، وأن تكون مألوفًا وآلفًا.

ومن السعادة ألاَّ تكون ممن ترَكَه الناس لِفُحشه، أو سوء أخلاقه.

ومِن السعادة ألاَّ تكون مصلحيًّا وانتِهازيًّا، بل تُحبُّ للناس ما تحب لنفسك، بل تُؤْثِرهم، وتَصْبر على الشدَّة في ذلك، وهي صفةٌ نادرة جدًّا، قلَّما توجد، خصوصًا في هذا الزَّمن.

ومن السعادة أن تكون مُتطوِّعًا ومتبَرعًا؛ فإنَّ هذا مِمَّا يجلب السعادة والبَرَكة في بيتك، فتنبَّهْ لهذا السرِّ؛ وذلك لِمُساعدتك الضُّعفاء والمساكين والمُعْوِزين، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: « رَأَى سَعْدٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ لَهُ فَضْلًا عَلَى مَنْ دُونَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ »1 أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَفِي رِوَايَةٍ « إِنَّمَا يَنْصُرُ اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِضَعِيفِهَا بِدَعْوَتِهِمْ وَصَلَاتِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ »2 أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
1: البخاري: الجهاد والسير (2896) , والنسائي: الجهاد (3178) , وأحمد (1/173).
2: البخاري: الجهاد والسير (2896) , والنسائي: الجهاد (3178) , وأحمد (1/173).

ومن السَّعادة أن تَزْهد في أشياء الناس؛ لِيُحبَّك الناس، وأن تزهد في الدُّنيا؛ ليحبَّك الله؛ كما ورد ذلك في حديث عن أبي العبَّاسِ -سَهْلِ بنِ سَعْدٍ الساعديِّ- رَضِي اللهُ عَنْهُ قالَ: (جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقالَ: يا رسولَ اللهِ، دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِيَ اللهُ وأَحبَّنِيَ النَّاسُ.

فَقَالَ: ((ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللهُ، وَازْهَدْ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ)). حديثٌ حَسَنٌ رواهُ ابنُ ماجَه وغيرُهُ بأسانيدَ حَسنةٍ.

ومن السعادة استِقامتك على هذا الدِّين، ومن السَّعادة حِرصُك على زيادة إيمانك، ومُحاسبة نفسك.

ومن السعادة أن تُدْرِك إيمانَك إذا ساءَتْ تربيةُ نفسك، وأرادت أن تنفَلِت عنك! وقد قال تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ [الشمس: 9-10].

ومن السعادة المبادَرة للتَّوبة إذا وقعَ منك ذنبٌ؛ حتَّى تكون أحسنَ مِن حالتك الأولى فإن ذلك يرضي ربك ويحزن شيطانك ويدحره.

ومن السعادة تعظيم الله وخشيته في السرِّ والعلن، بل ومراقبته.قال تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1].

ومن السعادة أن تكون عادلاً ومحبوبًا للناس. قال تعالى: ﴿ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ﴾ [الأنعام: 152] وقال تعالى: ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾ [البقرة: 83] وقال تعالى: ﴿ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ... ﴾ [الإسراء: 53] الآية فإذا لم تقل بالأحسن والأطيب فلا أقل من أن تقول بالحسن, خذ مثالا ًبسيطاً: تنادي أخاك بالأحسن فلابد إذن أن تقول يا أخي الحبيب أو يا أخي الكريم, تناديه بالحسن تقول يا أخي ولكن لا تقل له يا رجل أو نحو ذلك من الأقوال فإن ذلك قد يكون للشيطان فيه مدخل لينزغ بين الأحبة والإخوان, تريد أن تناديه باسمه لا بأس ولكن لابد أن تراعي مقام الرجل ودرجته فلا تقل له مثلا يا فلان وأنت قادر أن تناديه بكنيته. فإن كل هذا مما يجلب السعادة بين الأحبة والإخوان ويصون من البيوت من الخراب.

ومن السعادة رضاك بالقضاء والقدَر؛ بألاَّ تحزن لِما فات، ولا تَفْزع لما هو حاصل من المصائب، ولا تفرح إن كان خيرًا حاصلا بِمِلء فيك بطَرًا وطغياناً قال تعالى: ﴿ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴾ [القصص: 76]، وقال تعالى: ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ [الحديد: 22 - 23]، فالفرَحُ الممنوع هو الفرح مع البطَر؛ كما هو ظاهرٌ في الآية، أمَّا إذا كان مع الشُّكر لله، والاعتِراف بنِعَم الله والخضوع له، فكما قال تعالى: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ [يونس: 58]، وقد دخل النبِيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - مكَّة بعشرة آلاف، منتَصِرًا على أعدائه، منكِّسًا رأسه توَاضُعًا لله.

ومن السعادة حُزنك للآخرة لا للدُّنيا؛ لأنَّك لو حزنتَ لأَجْل مصيرك، وأشفَقْتَ مِن ذلك؛ فهذا أرجى أن تكون من أهل الجنَّة؛ لِمَا ورد في ذلك من الآيات في القرآن الكريم، منها الآيات التي سبقَت، ومنها قولُه تعالى: ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ ﴾ [المعارج: 28]، وهذا هو الميزانُ الصَّحيح للحزن.

وهذه الآية مما يُهيجك بالقلق والخوف في كلِّ وقت، مع الزُّهد في أشياء الدُّنيا، لا سيَّما إذا تفكَّرت فيما ستموت عليه؛ أهي خاتمةٌ حسَنة، أم سيِّئة والعياذ بالله؟

ولكن بالنَّظَر لِمَا ستَلْقى من جزاءٍ غدًا في الجنَّة؛ فأنت سعيد، ولست كالذي قال الله تعالى في شأنِه: ﴿ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا * إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ * بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا ﴾ [الانشقاق: 13 - 15].

ومن السَّعادة أن تكون من المُوحِّدين المخلصين الحقيقيِّين.

ومن السعادة أن تكون من أهل السُّنة والجماعة، لا أهل الفِرَق والتفرُّق والأهواء.

ومن السعادة أن تَستمتع بما رزَقك الله من الرِّزق الحلال؛ على أن تكون قاعدتك: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [القصص: 77]، وكان الإمامُ أحمد بن حنبل - رحمه الله - يحبُّ التقلُّل من الدُّنيا؛ لِطُول حِساب يوم القيامة، ولكن لا يَعني ذلك أن يَبقى النَّاسُ فقراء، ولكن المَقْصود أن تُخْرِج الفائضَ الكبير الذي عِندك للمُحتاجين وللمُعْوِزين الفقراء؛ ليسعد الناس كلهم في الدُّنيا والآخرة، وجعَلَنا الله من أهل الحقِّ والسَّعادة في الدُّنيا والآخرة، وفهَّمَنا ووفَّقَنا وأعاننا، ويسَّرَ لنا هذا الطريق المستقيم، وفي الحديث: ((من يُرِد الله به خيرًا يُفقِّهْهُ في الدِّين))، ومَفْهوم المخالفة: مَن لا يرد الله به خيرًا لا يفقههُ في الدِّين؛ أفاده الإمامُ ابن القيِّم - رحمه الله - في كتابه "مفتاح دار السَّعادة"؛ اهـ.

ولا أعلم دعاءً أعظم من هذا الدُّعاء: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة: 6]، ولو كان دعاءٌ أعظمَ مِن هذا الدُّعاء، لوَضَعه الله في هذه السُّورة المباركة؛ أُمِّ الكتاب؛ إذْ هذا الدُّعاء العظيم لَم يقتصر بالهداية على الصِّراط المستقيم فقط، بل زاد الله - سبحانه وتعالى - على ذلك أن يكون هذا الصِّراطُ صراطَ الذين أنعمَ الله عليهم من النبيِّين والصدِّيقين والشُّهداء والصَّالحين، بل والأكثر من ذلك أنَّ الله سبحانه لَم يقتصر على ذلك أيضًا، حتَّى أوضحَ لنا طُرقَ المُنحرِفين، وهم الَّذين لا يَعْملون بعِلْمهم كاليهود، و الَّذين يعبدون ربَّهم على جهالةٍ كالنصارى.

ولذلك امتَنَّ الله - سبحانه وتعالى - على نبيِّه - في سورة الحجر -: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ﴾ [الحجر: 87] أن أعطاه القرآن، وسورة الفاتحة بصِفَة خاصَّة، وقد ذكَرَها الله منفصِلةً عن القرآن؛ لتبيين عِظَم مكانتها وشرَفِها عند الله، ثُم نصحَ سبحانه نبيَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - ووجَّهه بألاَّ يمدَّ عينيه إلى ما متَّعَ الله به غيرَه في هذه الحياة الدَّنيا، وألاَّ يَحْزن عليهم، وأن يَخْفض جناحَه للمؤمنين، ولنا في رسول الله أسوة حسَنة، فعلَيْنا أن نتَّبِعه على ذلك، ونتأسَّى به - بأبِي هو وأُمِّي.

ولكن - مع الأسف الشَّديد - قليلٌ مِن يفهم هذه الحقيقة.

وذلك لأنَّنا رأَيْنا كثيرًا من النَّاس - هَداهم الله - يَحْزنون للدُّنيا؛ حِرْصًا شديدًا عليها، وكأنَّهم لا يَعْرفون قَدْر هذه النِّعمة الَّتي أعطاهم الله؛ فقد روى عبد الله بن مسعود وأبو موسى- رضي الله عنهما- أنَّ أعرابيًّا سألَ النبِيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: الرَّجلُ يحبُّ القوم، ولَمَّا يلحَقْ بهم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((المرء مع مَن أحبَّ)).

(حديث مرفوع) يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ، قثنا أَبُو الأَشْعَثِ أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ، قثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَجُلا قَالَ " يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ قَالَ: لا، إِلا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. قَالَ: فَإِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ ". قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا بِشَيْءٍ بَعْدَ الإِسْلامِ فَرَحَنَا بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ: " إِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ ". قَالَ أَنَسٌ: فَأَنَا أُحِبُّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ بِحُبِّي إِيَّاهُمْ وَإِنْ كُنْتُ لا أَعْمَلُ بِأَعْمَالِهِمْ. رواه الشيخان والإمام أحمد رحمهم الله.

وكلُّ هذا إن دلَّ على شيء، فإنَّما يدلُّ على علُوِّ هِمَّة الصَّحابة، ودنُوِّ الهمَّة عند كثيرٍ من الناس - والله المستعان - وأظنُّ الكثير منَّا يَعرف قصة الصحابي الذي كان من أهل الصُّفة، والذي كان لا يَمْلك من الدُّنيا إلاَّ الرِّداء الذي كان يَرْبِطه على عنُقِه؛ كهيئة الصِّبيان، وكان الرجل يَخْدم النبِيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فلما وضَّأَه ذاتَ يوم، قال له النبِيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((تَمنَّ)).

بالله عليكم، انظُروا إلى أمنيَّة هذا الصحابي الجليل الذي كانت حالته الاقتصاديَّة كما أشَرْنا إليه آنِفًا.

قال: أسألك مُرافقتَك في الجنَّة، فقال له النبِيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((فأَعِنِّي على نفسك بكثرة السُّجود)).

ونص الحديث:
عن ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه قال: كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته بوضوئه وحاجته فقال لي: " سل؟ ". فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: " أو غير ذلك" قلت: هو ذاك. قال: " فأعني على نفسك بكثرة السجود "؛ رواه مسلم والنسائي وأبو داود.

ونسأل الله - سبحانه وتعالى - أن يَمنَّ علينا - بِمَنَّه وكرَمه إنَّه هو المولى والقادر على ذلك؛ فنِعْم المولى ونعم النَّصير. - بقلوبٍ مُنشرحة للإسلام، ليِّنةٍ ورقيقة بذِكْر الله؛ كما مدَحَ رسولُ الله بذلك أهلَ اليمَن في الحديث المتفق عليه، ورَحِم الله الشيخين البخاريَّ ومسلِمًا؛ فقَدْ رَوَيا في صحيحَيْهما عن أبِي هريرة - رضي الله عنه - عن النبِيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أتاكم أهل اليمَن، أضعَفُ قلوبًا، وأرَقُّ أفئدةً، الفقه يَمَان، والحِكْمة يَمَانيَّة)).

وقد قال تعالى: ﴿ أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ [الزمر: 22].

والله أعلم.

[1] راجع شرح هذا الحديث للشيخ الخضيري في شرحه للتجريد الصريح في موقعه في هذا الرابط http://www.khudheir.com/audio/5589
وأرى ما جاء في آخر فقرات الحديث - وهو قوله صلى الله عليه وسلم- (ومن أصاب من ذلك شيئاً ثم ستره الله فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه فبايعناه على ذلك) للذين لم يتوبوا أو تابوا ولكن لم تكن توبتهم نصوحا ومقبولة عند الله كما أشرنا مثل هذه المسألة في آية سورة فاطر, إذ التائب من الذنب كمن لا ذنب له وقد قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾.

وهكذا ما جاء في قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ للذين ماتوا على الشرك أو عدم التوبة عن الكبائر, أما الأحياء الذين اقترفوا على هذه الشركيات والعظائم من الذنوب فقد فتح الله لهم أبواب التوبة على مصراعيها كما قال قال تعالى في آية الزمر: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ بل لعظم رحمة الله الوسعة يبدل الله السيئات ولو كانت كبائر حسنات كما قال تعالى في آية الفرقان: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ والله أعلم.



Very Happy
avatar
جمال خالد يوسف
عضو ذهبي

عدد المساهمات : 257
تاريخ التسجيل : 17/06/2012

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى